السيد نعمة الله الجزائري
39
الأنوار النعمانية
يعرف انّ تلك الصورة شبيهة بأيّ شيء فيعبّرها ويكون كما قال ، ويمكن ان يظهر اللّه عليه الأشياء في تلك الحالة بصورة تناسبها لمصالح كثيرة كما أنّ الإنسان قد يرى المال في نومه بصورة حيّة وقد يرى الدراهم بصورة عذرة . ومن هذا ظهر انّ معبّر الأحلام على الحقيقة والاستمرار لا يكون الا من عرف بطبائع الناس وأمزجتها وحقائق ما أنطوت عليه سرائرهم حتّى يعرف الداء والدواء ، ولا يكون الّا الأمام عليه السّلام ، ومن ثمّ ترى تعبيره عليه السّلام للأحلام قد يكون بغير ما يناسبها ظاهرا كما تقدّم في خبر محمّد بن مسلم الذي عبّره أبو حنيفة أولا وقد يكون لصدق الأحلام وكذبها سبب آخر وهو القاء الملائكة إلى الروح العلوم والمعارف أو هو سبحانه وتعالى من غير توسط ملك والكذب من القاء الشياطين . روى أبو بصير عن الباقر عليه السّلام قال سمعته يقول انّ لإبليس شيطانا يقال له مزع يملأ المشرق والمغرب في كلّ ليلة يأتي الناس في المنام . وروى البرقي عن أبيه عن صفوان عن داود عن أخيه قال بعثني انسان إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام زعم انّه يفزع في منامه من امرأة تأتيه ، قال فصحت حتّى سمع الجيران ، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : اذهب اليه فقل انّك لا تؤدّي الزكاة ؟ قال : بلى واللّه انّي لا أوديها فقال قل له ان كنت تؤدّيها لا تؤدّيها إلى أهلها . وفي روة الكليني مسندا إلى سعد بن أبي خلف عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : الرؤيا على ثلاثة وجوه بشارة من اللّه للمؤمن وتحذير من الشيطان وأضغاث أحلام ، وفيها أيضا مسندا إلى أبي بصير قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام جعلت فداك الرؤيا الصادقة والكاذبة مخرجها من موضع واحد ؟ قال : صدقت ، امّا الكاذبة المختلفة فأنّ الرجل يراها في اوّل ليلة في سلطانا لمردة الفسقة وانّما هي شيء يخيّل إلى الرجل وهي كاذبة مخالفة لا خير فيها ، وامّا الصادقة لا تختلف ان شاء اللّه تعالى الا ان يكون جنبا أو ينام على غير طهور ، ولم يذكر اللّه عزّ وجلّ حقيقة ذكره فانّها تختلف وتبطي على صاحبها . فدلّت هذه الأخبار على انّ الشياطين يلقون الأكاذيب والأباطيل ، وقد يكون السبب فيه الخيالات النهاريّة المألوفة للإنسان في عالم اليقظة فانّ الإنسان إذا فكّر في شيء حال يقظته رآه حال منامه . ومن هذا لم يعبر المعبّرون والعقلاء أحلام الشعراء واضرابهم لأنّ الغالب عليهم التخييلات في الأكاذيب والأباطيل ، وقد اتى رجل إلى ابن سيرين فقال له : اني رأيت البارحة كأنّ بيدي خاتما وانا أختم به على أفواه الناس وفروجهم ، فقال له : ينبغي أن تكون مؤذّنا وهذا شهر رمضان فإذا أذّنت حرمت الأكل والجماع فاخذ تعبيره من المناسبات .